هل نعيش سقوط أمركا أمنا يا قوم العرب
كثير من السياسيين السذج في العالم العربي يصدقون بدون أي تحفظ، الأطروحات المطمئنة للساسة المتطرفين في الحضارة الغربية بشرقها وغربها ووسطها، ويداهنوهم بالتسويف والنفاق وفي كثير من الأوقات يستجيبون لأوامرهم وتوجيهاتهم فتدفع الشعوب العربية ثمن سذاجتهم بالدم والدموع...
وهذا الأمر ليس طبيعيا بأي حال من الأحوال ليس لكون هؤلاء عرب ينتمون إلي حضارة عريقة تختلف في أمور جوهرية مع (الحضارة) اللقيطة التي تريد أن تسيطر على العالم بالحديد والنار ليكون من واجبهم القومي والحضاري والإنساني أن يرفضوا علانية أية سياسة لا تخدم المشروع الحضاري للأمة العربية، بل الأمر غير الطبيعي كما فهمناه يعود إلى أن الإنسان عنيد بطبعه وأكثر خلق الله حبا للجدل ولا يمكن له أن (يعيش) تحت القبضة الحديدية لأية دكتاتورية بدون أي رد فعل ضد من يخنقه ويكبت نفسه بل يهينه ويذله، ومن هنا يمكن لنا أن نتهم أن أي سياسي عربي ليست له نظرة فلسفية ونفسية ولا سعة في التخيل قد لا يعرف أن الإدارة الأمريكية أصبحت بالضرورة الكونية دكتاتورية بأتم معنى الديكتاتورية تجاه العرب والمسلمين بعد تفردها بالسلطة على البشرية ورفضها أية معارضة حقيقية تتداول معها على السلطة فوق الكرة الأرضية.
للتدليل على ما نؤمن به لا نحتاج إلى تفكير مرهق فالأمر سهل وبسيط والأفعال التي تثبت ذلك كثيرة ومنها على سبيل المثال بعض الأسئلة المعروفة: من ظلم الشرعية الدولية وقتل الأمم المتحدة وخرق القانون الدولي ومزّق معاهد جنيف وقتل الصحافيين واغتال المؤتمر الإسلامي ووأد الجامعة العربية وقضى (حاجته) في الوطن العربي على المباشر وأمام العالم كله بدون حياء ولا أخلاق ولم يغتسل من الجنابة إن كان يدّعي أنه متدين ولم يستر لا عورته ولا عورة من ساندوه حتى من العرب أنفسهم؟ أليس هذا السلوك هو سلوك نظم الحكم الدكتاتورية؟ إضافة إلى مثل هذه الأدلة المعروفة في الساحة السياسية الدولية هناك أدلة أخرى نفسية وفلسفية تؤكد أن السياسي المتطرف في الحضارة الغربية مهما كان مشربه السياسي فإنه يكتسب قوته من ضعف خصمه ولا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يترك هذا الخصم الآخر ينمو وتقوّى ليعادله في القوة وخاصة في الجانب المادي منها خصوصا إذا كان دائم الخيال أن هذا هو خصمه المستقبلي الذي سيهدد قوته المكتسبة فيمنعه بكل الوسائل حتى وإن اقتضى الأمر استعمال القوة المادية لإبقائه ضعيفا إلى ما لا نهاية إذا استطاع إلى ذلك سبيلا.
إضافة إلى ما سبق، هناك أمر آخر يتمثل في أن كل الناس يعرفون ويقرّون أن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة العظمى الوحيدة التي تسيطر وتحكم العالم اليوم بالحديد والنار، ولم تقبل ولن تقبل أية معارضة لسياستها وهيمنتها على العالم إلا بالقوة المضادة لها، أو ليس هذا ما يفعله أي نظام دكتاتوري في أي زمان ومكان؟ ألم يعترف السياسيون العرب السذج أن السياسة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين خاصة هي سياسة أقل ما يقال عنها إنها سياسة كبت وخنق وشنق وتضييق على كل ما من شأنه مساعدة الأمة العربية على النهوض من سباتها الاصطناعي الذي جاء كنتيجة إكلينيكية لعملية تخدير وتخويف التي يستعملها عادة القوي الجبان ضد الضعيف أو القوي المرتقب، وهذا أمر طبيعي ونفسي موجود في تاريخ البشرية و لا نبالغ إذا مثّلنا تخوف أمريكا من الشعوب العربية والإسلامية بتخوف فرعون من ميلاد سيدنا موسى عليه السلام، وكلنا يعرف ما فعله في أطفال رعيته، وهذا هو الذي تفعله أمريكا ضد كل من يحاول الحد من قوتها وسيطرتها على العالم خصوصا إذا تنبّأ الساسة الأمريكيون أن عاصفة السقوط الحتمي آتية من الوطن العربي.
إذن فالخوف كل الخوف من السقوط هو الذي ينتاب أمريكا ويسطر على ذهنيات السياسيين المتطرفين فيها، وهذا أمر طبيعي فلسفيا وموضوعي سياسيا يحس به كل إنسان عادي مهما كان مركزه الاجتماعي في أي مجتمع كان عندما يظهر من يعارضه ويهدد زعامته على قبيلته أو مجتمعه أو أمته أو شعبه، فما بالك إذا كان حاكما للعالم كله كما هو الحال بالنسبة للساسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فما عساه أن يفعل غير ما تفعله أمريكا اليوم في العرب والمسلمين.
انطلاقا من هذه الثوابت الإنسانية نقول إن إزالة أية دكتاتورية في العالم أمر حتمي إن آجلا أم عاجلا وعلامات قرب ساعة نهايتها نعتقد أنها تبدأ من زيادة نسبة التأثر الفعلي والمتأثرين حقيقة في المجتمعات التي تكبت مواهبها وإبداعاتها وتظلم وتذل وتداس كرامتها، حيث من هنا يبدأ التفكير بعمق والعمل بجدية والتضحية بالنفس والنفيس لرفع الظلم والتحرر من القيود المعنوية والمادية، وتلك ثابتة إنسانية وعالمية كما تنطبق على الفرد تنطبق على العائلة والقبيلة والشعب والأمة والحضارة، وهذا ما نراه يبنى ويشيد في نفسية المواطن العربي لبنة لبنة معجونة بالدم والدموع من شظايا كل صاروخ أو قذيفة أو رصاصة وجهتها أو مازالت توجهها الجيوش الأمريكية لصدور الأبرياء من العرب والمسلمين ليس في العراق فحسب بل في كل العالم العربي و الإسلامي.
محصلة لما سبق طرحه من آراء وأفكار تحتمل الخطأ كما تحتمل الصواب، نضيف شيئا أخيرا يوجد في أي إنسان وهو حبّه للتفوق وهذه صفة تعتبر من الصفات الإنسانية المتأصلة في كيان أي إنسان لكنها تختلف نسبتها من شخص إلى آخر ومن أمة إلى أخرى، ومع الأسف فهي مغيّبة تماما في الخطاب الرسمي للأنظمة العربية وكما أنها تهذّب وتعتدل فإنها أيضا يمكن لها أن تتوحش وتتطرف وكما يمكن لها أن تنمو فإنها أيضا يمكن لها أن تكبت وتركد أو تفنى في كثير من الأمم والشعوب، ومادام الإنسان كما هو معروف يحمل في كيانه أسباب فنائه فإن الحضارة التي (خلقها) الإنسان تحمل أسباب سقوطها وفنائها أيضا وحضارة أمريكا - إذا كان لأمريكا حضارة- لا تخرج من هذا المنطق فهي تحمل أيضا أسباب سقوطها ولعل أبرز الأسباب الذي ستسرع سقوطها هو إعطاؤها الحق لنفسها بشنّ حروب وقائية ظالمة على كل شعب تخاف منه ويتخيل لساستها المتطرفين أنه قد يساهم في سقوطها وبهذا (الحق) فإنها تصنع تابوت سقوطها الحتمي بسرعة وتسرع.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحا: هل الأجيال الحالية في مختلف بقاع العالم ستعيش هذا السقوط على المباشر كما عاشت على المباشر ظلم أمريكا للعرب والمسلمين أم أن أجيالا أخرى مستقبلية هي التي ستصنع الحدث وتشاهد سقوط ورثة صقور أمريكا على المباشر؟ التاريخ وحده هو الكفيل بالإجابة الحتمية ومن يشك في هذا عليه أن يقرأ بصوت عال الأسئلة التالية ليقتنع: أين العظماء والحكماء أين الدكتاتوريات والفراعنة أين النظم والحكومات أين الملوك والرؤساء سواء الذين عاثوا في الأرض فسادا أو سواء الذين أقاموا فيها صلاحا؟ كم لبثوا من عقود يحكمون ويتسلطون على رقاب الناس أو ينصفون المظلوم ويقهرون الظالم؟ لقد ذهبوا جميعهم وحكمت عليهم أو لهم محكمة التاريخ العادلة التي لا تقبل حكما لا الاستئناف ولا المعارضة ولا الطعن ولا الالتماس وقد جاء بعدم من سلك مسلكهم أو غيّر ثم ذهب وهكذا هي الحياة إلى أن تسقط حضارة أمريكا وتأتي بعدها حضارة أخرى لتسقط بدورها وهكذا دواليك حتى يرث الأرض وما عليها.

Wapher
del.icio.us